ع شفير... كيف لا نتخطى الفاجعة

بقلم سارة أبو غزال في مجلة رمان

سكان بيروت الذين اختبروا موجات الانفجارات يعرفون كيف يتنقلون بسرعة بين الأيام العادية والأيام التي تحصل فيها الفاجعة حيث العبوات المفخخة أو الانتحاريين. وسكان بيروت لديهم مرونة في المشاعر التي تعيد القدرة على التكيّف مع فكرة الموت الوشيك دائماً، بسرعة، وفي أن تستمر الحياة في نفس الوقت. ولكن ما الذي يحصل حين تمُسّنا الفاجعة وتأخذ منّا من نحب؟ كيف نتخطى الفاجعة بصورة فردية، ونتعافى منها مثل ما نتعافى منها بشكل جماعي، أي حين يسارع سكان بيروت إلى ملئها بأصواتهم وضجيجهم بعد هدوء وفراغ يلحق أي انفجار.

يضعنا مخرج فيلم "ع شفير" محمد صباح أمام هذا السؤال، كيف نعود إلى الحياة بعد ما يأخذ الانفجار منّا من نحب، وكيف نختبر موت من نحب، إن لم يكن هذا الحب متوافق عليه من قبل المجتمع؟

نلتقى بـ "عمر" في أول الفيلم وهو يركض نحو شيء ما، والذي يتابع أخبار بيروت مع كوارثها، يعرف تماماً أن الأصوات المرافقة لهذا المشهد مألوفة جداً: زمور سيارات الإسعاف وأصوات تحدّد كبر الفاجعة أو الانفجار. يدّعي عمر أنه يخضع الممثلين والممثلات إلى تجربة أداء، يقول إن هذه التجارب سوف تسعفه  لينتصر على الموت. لكن سرعان ما يتوضح للمشاهد أن هناك أمر ما غريب عن عمر، ويساعد الإيقاعُ البطيء في الربع الأول من الفيلم على فهم أن هناك ما يدعو للقلق، وأن عمر يختبئ وراء الكاميرا ليتعامل مع الموت، ولكن موت من؟ تتغير شخصية عمر في الفيلم، أو تتوضح أكثر كلما يلتقى بأحد الممثلين الذي يخضعهم لتجربة أداء، فالممثل الأول كان راقصاً وتفاعله مع عمر يؤدي إلى ردّات فعل عنيفة من قبل عمر، وذلك بصفته رمزاً أو تجسيداً لشخص آخر لا نعرف ما علاقته مع عمر إلا حين تظهر مي وتشاركه خسارتها لصديقها الذي غرق في البحر على متن إحدى مراكب الهجرة وذلك هرباً من بيروت، فيبوح عمر بخسارته لـ "وسيم" في انفجار وقع في الضاحية الجنوبية لبيروت.

يعيش مي وعمر لحظات هشّة يحاول كل منهما استرجاع ذكرى الحبيب، لكن عمر لم يتخطّ الفاجعة، فيصبح مؤذياً ومُعنّفاً، كأن الألم هو الطريقة الوحيدة التي يعرف أن يتواصل بها مع الآخرين، إلى أن يلتقى بـ " أنتوني" الناجي من انفجار من منطقة الاشرفية والذي تتسارع الأحداث بينهما، ويستطيع أنتوني التمرّد على الدور الذي كان يلعبه عمر مع الآخرين، فيستلم عنه زمام الأمور، ويساعد عمر على إخراج جميع عواطفه ويتصالح مع إنسانيته مجدداً ولكن من خلال ممارسة العنف والفعل العنيف كبابٍ واحد لخروج مشاعر عُمر الحقيقية إلى العلن.

ع شفير كوز مهرجان أصوات للأفلام الكويرية

ع شفير كوز مهرجان أصوات للأفلام الكويرية

كشف الفيلمُ عدّة متسويات لتوترات ما بين المدينة نفسها والأموات ومن يشهدون على الفاجعة. فبيروت، تصبح مسرحاً للموت والخسارة، ولا يمكن إلا الرحيل عنها إلى مناطق أخرى كطريقة وحيدة للحداد والابتعاد عن الحالة التي يجد عمر نفسه فيها، وذلك بعكس مي التي تتكيف مع الخسارة من خلال التعامل مع المدينة كأرشيف حيّ للحب التي اختبرته، فيصبح البحر مكاناً لا يذكّرها فقط بالموت، بل تستعمله لتتذكر غياب صديقها، يمكن لها أن تُحيي غيابه، ففاجعتها تصلح في أن تكون علنية ومقبولة، ولكن كيف يمكن لعمر أن يمارس كل طقوس الحداد والخسارة لرغبة لا مكان لها، لحب لا يمكن للمدينة أن تقبل به، ولا مكان له في الروايات التي تُحكى عن الأموات فيما بعد. فتبقى بيروت بالنسبة لعمر مسرحاً للجريمة، ولكن عزلته عنها لا تعطيه ما يريد أيضاً، في حبه المثليّ فُرض على عمر الهامش ويبدو كأنه يحاول وضع بيروت وما حصل فيها في نفس الموقع.

ماذا نفعل حين يفنى جسد نرغب به؟ ماذا نفعل بكل هذه الرغبة وهل تستمر، أم أن ما يستمر هو الشوق لها؟ في محطة هامة في الفيلم، يطرح المخرج سؤال الرغبة والجسد، بعد وقت على مضي الفيلم، نتأكد أن عمر مثليّ، ولكن نعيد الشك في مثليته حين تتطور اللحظات الحميمية مع "مي"، فهل يرغب بها؟ وهل ترغب به؟ أم الإثنان يبحثان عن تلك اللمسة الأخيرة مع من فقدوا؟ يدفعهم شوق قد لا ينطفئ. وماذا إن توقف عمر عن مثليته؟ فماذا يصبح؟ وما سيحلّ بمشاعره؟ لا يمكن فصل الألم الذي يختبره عمر والحداد الذي يتخبط به عن هويته الجنسية وعن رغبته وعن جنسه. فمثلاً يحاول أن يعتدي على مي، يتحول من مثلي مفجوع، إلى معتدٍ، فلا ينجح ويتوقف حين تبادله مي العنف. فهل عمر أسير رجولته السامة؟ الرجولة التي، حرفياً ورمزياً طوال الفيلم، لا تستطيع أن تتواصل مع أبسط المشاعر إلا بممارسة العنف على شخص آخر. يرتاح عمر أخيراً بنقل ألمه إلى شخص آخر، فيبدأ بالحداد ولكن العنف لم ينته.