ضمن مهرجان "أصوات" للأفلام الكويريّة "كوز" «مكان لرجل»... كيف يبدو العالم من/عن مسامات البيت/الجسد؟

بقلم عبدالله البياري عن مجلة رمان

يقول بول كونرتون في كتابه "كيف يغزو النسيان ذاكرة الحداثة" (2009) عن البيت والجسد: "كلاهما يجمعهما قاسمٌ مشترك، إذ يأخذهما الإنسان مأخذ المسلمات، حيث نميل إلى أن نأخذ أجسامنا على أنها من المسلمات إلى أن تخذلنا من خلال حادثة أو من خلال مرضٍ أو الشيخوخة، والأمر نفسه ينطبق على البيت، حيث ننظر إليه على أنه من المسلمات أيضًا إلى أن تحدث ظروف استثنائيّة، مثل الانتقال من المنزل أو خلاف أسري، أو اندلاع حريق، أو حرب، أو فقر مدقع، وعندها نكون مجبرين على تذكر أهمية المنزل في حياتنا، وهناك لحظة أخرى يجري فيها التعبير البياني عن هذين الإثنين -البيت والجسد- من خلال الرسومات التي يقوم بها الأطفال، والذين دأبوا فيها على إظهار نوافذ وأبواب البيوت، وهي سمات يمكن ترجمتها إلى عينٍ وفمٍ للبيت، أما أثاث البيت فهو الآخر يذكرنا بالتاريخ المشترك للبيت مع الجسد"

وأما الوعي فوجوده يتحقق عن طريق الجسد، أي أن الجسد هو الأداة المادية لتحقيق الوعي، أو بصياغة أكثر دقة نقول: بقدر ما يفصل الوعي نفسه عن الجسد ويعتبره شيئًا آخر خارجًا عنه، ويتأمل فيه ويعي تفاعله معه، عند ذاك يصبح واعيًا بوجود الجسد(ه). وإذا كان لنا أن نمد هذا الافتراض المنطقي إلى البيت باعتباره جسدًا مرآويًا لنا، كان لنا حينها أن نتفهم مقولة فيلم "مكان لرجل" (2018) للمخرج اللبناني أنطوني شدياق، والتي تنبثق من مرآوية العلاقة بين البيت والجسد، وديمومتها

فمشاهد الفيلم (الكادرات) في أغلبها حميمية مع جلد/جسد البيت الداخلي لأنطوني، ما يعطي المتلقي/ة موقعًا في جسد السارد (أنطوني) على طول الفيلم، ليس فقط من خلال الصوت، وإنما من خلال إخفاء جسد أنطوني لصالح التماهي مع البيت، يظهر الأمر جليًا في الحديث عن الدخلاء (السوريين) لجسد البيت

يغلب على مشاهد الفيلم التصوير الداخلي من البيت، وبدرجة حميمية لا تظهر فقط في المشاهد (الكادرات)، إنما كذلك في حركة الأجساد والمسافات بينها وبين عين المتلقي/ة (الكاميرا)، وأبرز هذه الاحتكاكات هي مشاهد التصوير القريب للوجوه، وكذلك مشاهد العمل والبناء في البيت من الداخل، ما يدفعنا للتساؤل كمتلقين: إذا كان النظر إلى الشيء يجعلك جزءًا منه، أولاً يجعلنا كذلك جزءًا من الناظر؟ السارد (أنطوني) هاهنا؟ ألا يجعلنا هذا في موقف لا محايد، كيف لا والسينما في أساسها ليست فنًا محايدًا، هل ثمة حياد في الخيال؟

غرفة لرجل كوز مهرجان أصوات للأفلام الكويرية

في أحد مشاهد الفيلم يرسم أنطوني على بقايا دهان الجدار المتفسخ خريطةً للعالم، ليشرح لهذا العامل السوري العالم، في امتداد لسؤاله إياه إلى أين يريد أن يسافر، وهو سؤال أنطوني لنفسه، وكلاهما حبيس الجسد/البيت/لبنان، وفي نفس الوقت كلاهما حبيس المعاني المهزومة، فأنطوني حبيس النظرة "السلبية" له من المجتمع والأقارب، كما أوضح لعمه، والشاب السوري هو حبيس ظرفه السياسي والاقتصادي والاجتماعي باعتباره لاجئًا في لبنان، يدفعنا هذا الأمر إلى تأمل تساؤلين

١- أيمكننا القول أن لجوء الشاب السوري يتماهى في المقابل مع لجوء أنطوني في جسده وبيته؟ هل للسياسة جانب جسدي بالمعنى المباشر؟ كيف لا وكل نتاج السياسات الدولية والعالمية في منطقتنا يقع على جسد المواطن/ة العربي/ة قبل أي شيء؟ تقول جوديث باتلر: "لا جسد لا سياسة"، باعتبار الجسد هو أول تمظهرات المعنى والمعنى المضاد، والسياسة بالنهاية هي استراتيجيات إنتاج معنى!

٢- إذا جاز لنا اعتبار جدار البيت حيث رسم أنطوني خريطة العالم، هو مسامات الجسد الداخلي للبيت، كيف يبدو العالم من الوجه الداخلي لمسامات "جسد" أنطوني؟ ألا يضعنا السرد على هذه المسام، باعتبارنا متماهين معه بلا حياد في طرحه السردي؟

الأب وامتلاك الجسد والبيت والمعنى

في مشهد المقابلة مع الأب، تتبدى حدود الجسد والبيت، أو بلفظ أدق تتبدى حدود الداخل والخارج، وسلطات المعنى في الفصل بينهما، فالأب الغائب تقريباً كما يصفه أنطوني، ما إن عاد حتى رسم حدود هيمنته على الداخل والخارج من خلال حديثه عن مشروع أنطوني السينمائي عن العائلة والبيت، ونقاشهما عن الداخل والخارج، أو "البره والجوه"، لترسيم حدود الجسد والبيت معًا من خلال تمظهرهما في الفيلم، كفضاءات سردية

وفي مشهد آخر للأب وهو يحدّث أنطوني بعد أن ذهبا إلى الأرجنتين، تتكثف رمزية البيت والجسد في تطابقهما، حيث يجلس الأب محدثًا ولده عن الشخصيات المختلفة بينهما عاموديًا (حجة كل منظومة هيمنة)، وخلفه عُلقت على الحائط الفاتر البياض مجموعة كبيرة من المفاتيح، وكأن سوريالية المشهد تتواطأ مع منظومة هيمنة الأب، باعتباره مالك مفاتيح الجسد والبيت

وأمّا الأم وصوتها الحاضر برخامته كضابط لتداعيات المعنى في الفيلم وتوجيه السرد يحقق مقولة جورج باطاي

"نحن نرغب في اختراق هذه الحدود مهما كان الثمن، ولكننا نريد أن نتخطاها وأن نحافظ عليها في الوقت نفسه"

غرفة لرجل أصوات

مساماتنا والحرب

لأجسادنا وجهان/جلدان، وجه/جلد على العالم الخارجي، في الـ"هناك" البعيد القريب، حيث يتماس "الآخر" مع سطحه، فنعرف به ذواتنا وحدودها، ووجه/جلد على ذواتنا يطل في الـ"هنا"، هو الوجه القريب للمسافة البعيدة التي تهجس فيها أرواحنا بما يضج فيها وبها، هي المسافة الرمزية للأنا، ففيها -مثلًا- يرتع "إسمنا" بما يحمل لنا من خارجنا إلى داخلنا والعكس، هناك تتراتب أسئلتنا الوجودية في مقاعدها بوجاهة طفل، وفوّهتها إلينا، وإن أخطأت إلى الـ هناك"

ينبثق هذا الحديث الحميم (بصريًا وسرديًا) في الفيلم بين الـ"هنا" والـ"هناك"، الداخل والخارج من حدود الجسد والمنزل، بكل خشخشته في الروح، ليعيد ترتيب الهواجس والمواجهات -والتي لا تُعد أسماؤنا إلا أولها- بين البري والمستأنس/المؤنسن فينا، (ومن هنا معنى وجود الكلب في الحيز الحميم للمنزل)

هذا الطرق بمطرقة "الإنساني" اللامعة، صراع الداخل والخارج، وإن كانت مرآويته جسدًا وبيتًا، إلا أنه يعري فينا مساماتٍ يخترقها النظر والمعنى والرمز والقلم والعين وليس السلاح والرصاصة فقط، مساماتٍ لمسافات نعرف أنفسنا ونتعرف إلى آخرنا فيها. ولعل هنا يمكننا رؤية كيف بات للحروب هذا النزق للسيطرة على الجسد، وبات الجسد فيها آلة حربية، تنفجر في الآخرين أو تعذب لحماية الأوطان أو تقدم قرابين آلهة، كل تلك الأنماط من إستهلاك وهندسة الجسد والبيت، تستمد معانيها من قناعات وديناميات تستبطنها الذات داخلها، تحت طبقة جلدها الداخلية، كإسمها وجنسها ولونها ودينها، ومن مسامها تطلقها لجلود الآخرين وأجسادهم

قلق البيت من قلق الجسد، وقدرتنا كبشر على الابحار في الزمان والمكان، أثقلت كاهلنا بخفة هدمت حدود هوياتنا وأجسادنا وبيوتنا وانتماءتنا

فجلودنا ليست محصنة، مسامنا لا نملك التحكم فيها متى أردنا -دائمًا على الأقل- بل مراتٍ تتواطأ ضدنا مع كل ما قد يود إختراقها لداخلنا، حاملًا رسائله ومعانيه، لتظل فكرة "كيف نخرج الآخرين من جلودنا؟" تحمل في طياتها إستبطانًا لسؤال أكثر واقعية : "كيف ندخل نحن إلى جلودنا؟"