النضال ضد يوروڤيجن/ الأبارتهايد: نجاح الحركات النسويّة والكويريّة حيث تفشل المنظومة الدوليّة

 
aswat queer palestine

غدير الشافعي

لقراءة هذا المقال على موقع رصيف٢٢ اضغط/ي هنا

بالتزامن مع مسابقة يوروڤيجن الأوروبيّة للأغنية ومع ربطها بمسيرة الفخر المثليّة في تل أبيب، تبذل "مؤسسة أصوات - المركز النسوي الفلسطيني للحريات الجنسيّة والجندريّة" وإلى جانبها مجموعات مثليّة محلّيّة وعالميّة جهوداً كبيرة في مجال فضح دعاية "الغسيل الورديّ" الإسرائيليّة، وهي السياسة التي تهدف إلى رسم صورة زائفة لإسرائيل بوصفها دولة ديمقراطيّة، متحرّرة وداعمة لحقوق المثليّين/ات

يأتي الاستخدام الإسرائيلي لاستراتيجيّة "الغسيل الورديّ"، في سياق استخدام "إسرائيل" لاستراتيجيّات أخرى من التلميع الإعلامي سعياً إلى صرف أنظار العالم عن ممارسات الاحتلال والاستعمار والفصل العنصريّ المُمارَسة تجاه الفلسطينيّين/ات جميعاً- في الداخل، والضفة والقطاع، والشتات

لماذا يُعتبر عقد مسابقة يوروڤيجن الأوروبيّة في تل أبيب فرصة ذهبيّة لفضح انتهاكات إسرائيل؟

لطالما استقطبت يوروڤيجن اهتمام وشغف وتأييد مجتمع الميم على مدى عقود، لذا، فإن إسرائيل تعتقد أنها، ومن خلال يوروڤيجن، قد حصلت على منصّة عالميّة من أجل القيام بعمليتي "غسيل وردي" و"غسيل فنّي" لسياساتها وممارساتها الاضطهاديّة المُمارَسة تجاه جميع الفلسطينيين

وتستخدم إسرائيل هذه المنصّة من أجل توسيم (أو بالأحرى: إعادة توسيم) نفسها في الوعي العالمي بوصفها دولة نابضة بالحياة، تعدديّة، عصريّة، وحامية لحقوق لمثليين في المنطقة، وذلك للتستّر على جرائم الاحتلال والاستعمار-الاستيطاني والفصل العنصري

ومن أجل تحقيق أقصى استفادة من استراتيجية وأجندة الغسيل الوردي، تقوم إسرائيل بالترويج ليوروڤيجن بالترافق مع مسيرة الفخر المثليّة في تل أبيب، ومهرجان تل أبيب للأفلام المثليّة، الذي من المُخطّط له أن يُعقد في حزيران 2019، وذلك في محاولة يائسة من جانبها لتحقيق استفادة قصوى من شهر كامل من ممارسات الغسيل الوردي والغسيل الفني

لماذا تُعدّ استراتيجيّة الغسيل الوردي من أخطر وسائل التلميع التي تستعملها إسرائيل؟

تكمن خطورة استراتيجيّة الغسيل الوردي في كونها تعمل على ترسيخ تصوّر عنصري وخاطئ عن الفلسطينيين والعرب، وذلك من خلال وصفهم بالرّجعيّة والتخلّف، والعداء الفطري للمثليّة. كما ويوجّه الجانب الدعائي لمفهوم "الغسيل الوردي" للفلسطينيين تهمة كونهم "غير حضاريين" بما فيه الكفاية لكي يفهموا ويحترموا التعدديّة الجنسيّة والجندريّة، وهم، بذا، لا يستحقون ممارسة هذه الحقوق والحريات

هكذا، يصير الأمر تبريراً لاضطهادهم وفرض القيود على حقوقهم وحرياتهم. وبمعنى آخر، فإن دعاية الغسيل الوردي لا تُفرّق بين فلسطيني مثلي ومغاير بل تتعامل مع جميع الفلسطينيين بالارتكاز على منطق المستعمِر والمستعمَر، وهي تستغل الحقوق المثليّة بوصفها غطاء يمكن تحته إخفاء وتكريس سياسات القمع وانتهاكات الحقوق والحريات

بناء على ما تقدّم، تسعى "أصوات"، بالتعاون مع مجموعات حليفة محليّة وعالميّة، منها "القوس" و"بينك-واتشينغ إسرائيل"، إلى فضح استراتيجيّة الغسيل الوردي هذه والتنويه إلى مدى خطورتها في تجميل وتطبيع الاحتلال، والاستعمار والأبارتهايد الإسرائيلي. وتدعو "أصوات" إلى التكاتف من أجل دعم حقوق الشعب الفلسطيني بكافّة مكوناته وفي كل أماكن تواجده في الوطن والشتات

ماذا يعني أن تكون مثلي/ة في السياق الفلسطيني، وما يُميّز الحراك المثلي من أجل الحريات في فلسطين؟

يتساءل الكثيرون عن معنى أن تكون مثلياً/ كويرياً في فلسطين؟ الأمر يُشبه تقريباً أن تكون كويرياً في أي مكان، ولكن في سياق الاحتلال، الأبارتهايد، والاستخدام الاستعماري المضلِّل لاستراتيجيّة الغسيل الوردي من جانب إسرائيل، ومؤسساتها، وحلفائها، على المستويين المحلي والعالمي

aswat pinkwatching

هذا السياق يُحدّد كفاحنا من أجل العدالة والحريّة. وبناء عليه، فإن "أصوات"، بوصفها حركة نسويّة كويريّة، تقاوم جميع أشكال الاضطهاد والتمييز والعنصرية، وتعمل من أجل جعل تقاطعات نضالنا مرئيّة للآخرين. إيماناً منا بأن حقوق الإنسان هي أمر لا يمكن تجزئته أو المفاضلة فيه، فإننا ننظر إلى حقوق الإنسان بوصفها متكاملة لا تقبل التجزئة، ونطالب بكامل قائمة الحقوق

هل تُعدّ المقاطعة أداة نسويّة في التصدي لسياسات الغسيل الوردي؟

في الوقت الذي نشهد فيه التفافاً دولياً حول حركة المقاطعة BDS، من الضروري الإشارة لأهمية الأخيرة باعتبارها نضالاً يقع في صلب النضالات النسوية. فماذا تعني النسوية إن لم تكن بالأساس مُطالِبة بحق الفرد والمجتمع بالعيش بكرامة وعدالة؟ فالمقاطعة هي أداة نضاليّة سلميّة تقدميّة وحقوقيّة تنسجم مع أسس الفكر النسوي في أساليبها المقاوِمة لجميع أشكال القمع والاضطهاد

"ماذا تعني النسوية إن لم تكن بالأساس مُطالِبة بحق الفرد والمجتمع بالعيش بكرامة وعدالة؟"... نقاش معمّق حول نجاح الحركات النسويّة والكويرية حيث تفشل المنظومة الدوليّة

لذلك، تُعتبر المقاطعة، برأيي، من الأدوات النسويّة المهمة في نضالنا التحرري الشمولي لأن الاحتلال والأبارتهايد والاستعمار-الاستيطاني وممارسات الغسيل الوردي تُسهم، جميعاً، وبشكل مباشر في اضطهاد النساء الفلسطينيات اللواتي تحملن وطأة الانتهاكات الإسرائيليّة في كل مجال

ناهيك عن أن السياسات الاسرائيلية العنصرية تهدف الى إقصاء المرأة الفلسطينيّة ومنعها من المشاركة في المجالات الثقافيّة والأكاديميّة والاقتصاديّة، كما وتهدف إلى تقويض إسهام المرأة الفعّال والمفصلي في النضالات الفلسطينية من أجل التحرر والى إعاقة وتخريب الجهود المبذولة للعمل مع المجتمع الفلسطيني (سواء في أراضي العام 1948 أو في الضفة وغزة)

إن سياسات وممارسات الاحتلال، والأبارتهايد، والغسيل الوردي، هي المحاور الرئيسيّة التي تنتظم حولها حركتنا. إذ تهدف الممارسات الإسرائيليّة في حملات الغسيل الوردي إلى تكريس دور أفراد مجتمع الميم على أنهم ضحايا، وبالتالي تصادر حقهم في ممارسة واجبهم ودورهم في النضال التحرري الوطني وتصورهم كمن بحاجة لإنقاذ ودعم حماية من إسرائيل

بناء على ما تقدّم، يُعدّ التضامن النسوي العالمي في غاية الأهميّة لأنه يُسهم في رفع مستوى الوعي بشأن تقاطعيّة نضالات ويشكّل استراتيجيّة عالميّة متنامية من المقاومة أثبتت فاعليتها

بدلاً من 50 ألف زائر متوقّع، فإن الأبارتهايد في تل أبيب لم يستقبل سوى حوالي خمسة آلاف من رواد يوروڤيجن! وعلينا هنا مقارنة هذا بمسابقة لشبونة العام الماضي حيث شارك 90 ألف زائر

ولسوف تتسبب في الضغط على أصحاب القرار وصانعي السياسات الدوليين للاعتراف بالقضيّة الفلسطينيّة في سعيها من أجل تحقيق العدالة والحريّة. إلى جانب ذلك، فإن التضامن النسوي والكويري يمثل استراتيجيّة مستدامة وملهمة للمقاومة، هذا بالإضافة لمركزيته في الحركة الفلسطينيّة النسويّة الكويريّة

وفي بيان صدر في يوم المرأة العالمي (الثامن من آذار 2018) ، أعلنت حركة المقاطعة التزامها بمسألة المساواة الجندريّة مؤكدة بأن "الالتزام بحقوق المرأة متجذر في إيماننا بالحريّة والعدالة والمساواة للجميع، وهي رؤية لن يكون لها معنى من دون الالتزام بالمساواة الجندريّة، والاقتصاديّة والعرقيّة. وتعمل حركتنا بالتضامن مع مجموعات مجتمع الميم التي تناضل من أجل تحقيق مساواة حقيقيّة

هل نجحت إسرائيل في الترويج لنفسها بوصفها واحة للحريات من خلال منصات يوروڤيجن ؟

كان من المتوقع أن تستقطب يوروڤيجن عشرات آلاف الزوار والفنانين الذين سيسهمون، بمعرفة منهم أو دونها، في إفلات إسرائيل من العقاب، وفي أن يكونوا متواطئين بشكل نشط مع سياسات وممارسات القمع والتمييز المتزايدة والمتصاعدة ضد جميع الفلسطينيين

لكن، وبدلاً من 50 ألف زائر متوقّع، فإن الأبارتهايد في تل أبيب لم يستقبل سوى حوالي خمسة آلاف من رواد يوروڤيجن! وعلينا هنا مقارنة هذا بمسابقة يوروڤيجن في لشبونة العام الماضي، حيث شارك 90 ألف زائر

من الواضح اليوم أنه لا يمكن خداع الناس بسهولة من خلال حملات الغسيل الوردي والغسيل الفني لتبييض وتجميل صورة إسرائيل

aswat queer israel pinkwatching

إلى جانب حملة المقاطعة المُسنَدة بتضامن حلفاء دوليين، فإن هنالك أكثر من 100 من مجموعات مجتمع الميم حول العالم تدعو إلى مقاطعة اليوروڤيجن في ظل نظام الأبارتهايد الإسرائيلي، وذلك إلى جانب الآلاف من الفنّانين المحلّيين والعالميين

هؤلاء لم يكتفوا بالدعوة إلى المقاطعة، بل ويعملون على تنظيم نشاطات بديلة على غرار "غلوبال - ڤيجن" الذي يُخطط فيه لاستضافة بث بديل في منافسة حقيقيّة لنهائيّات يوروڤيجن في تل أبيب يوم السبت 18 أيار، وذلك كي يتمكن المشجعون من الاستمتاع بليلة من الترفيه الدولي، مع محافظتهم على دعمهم للمبادئ الأساسيّة المتمثلة في حفظ حق جميع اللاجئين بالعودة، وفي حقوق الإنسان والكرامة للجميع، ولتحقيق المزيد من الوعي والاعتراف بالنضال الفلسطيني من أجل العدالة والحريّة

إن الرسالة الموجهة إلى إسرائيل صاخبة وواضحة: لا يمكنك غسل الأبارتهايد باللون الوردي ولن يمكنك تلميع صورتك بالغناء أو الرقص

كيف يضمن التضامن الفعال من قبل الأفراد والمجموعات عبر العالم وصولًا إلى تحقيق العدالة والحريّة للفلسطينيين؟

من الواضح أن إسرائيل تخشى من أن يتّنظم الفلسطينيّون/ات وحلفاؤهم/ن حول القضايا التي يشتبكون فيها مع الاحتلال، والتمييز العنصري، والاضطهاد المبني على الهويّة الجنسيّة والجندريّة

لذلك، من الضروري - برأيي - العمل على دمج نضالاتنا محلياً وعالمياً والتشديد على تقاطعيتها

أمّا اليوم، وفي ظل وجود حملة مقاطعة فعّالة ومدعومة من قبل حلفاء دوليّيين، والإدراك بأنّ الغسيل الوردي هو إستراتيجيّة مضلّلة ومتمسّكة بالدّعاية الاستعماريّة التي تُبيح وتُشرعن ظلم الفلسطينيين، فإن حركاتنا النسويّة- المثليّة والمحليّة ستتمكن من إزالة البٌنى العنصريّة الإسرائيليّة وتحقيق العدالة والحريّة

واليوم, أكثر من أي وقت مضى، تلهمني الجهود الإبداعيّة من جانب الكويريات والكويريين النسويات والنسويين عبر العالم، في اتخاذ هذا الموقف الأخلاقي ضد اضطهاد الفلسطينيين، وفي الاضطلاع في التضامن الفعّال، وفي خلق فضاءات ونشاطات بديلة من أجل إسناد قضيّة الحريّة، والعدالة، والمساواة للفلسطينيين، في وقت تفشل فيه دول وأنظمة في حماية الحقوق الفلسطينيّة الأساسيّة

"أصوات" هي حركة نسويّة مثليّة تناضل من أجل العدالة والحريّات الجنسيّة والجندريّة في المجتمعات الفلسطينيّة. وهي تنشط من أجل خلق مجتمع فلسطيني تحرري يحتوي الاختلاف و التعدديّة الجنسيّة والجندريّة، يناضل ضد كل أشكال القمع, العنف والتمييز محلياً وإقليمياً وعالمياً, وتسعى لتمكين كوادر نسائيّة ومجتمعيّة قياديّة متكاتفة من أجل تحدي وتغيير الآراء المسبقة والتصورات النمطيّة، ومن أجل النضال الهادف لتحقيق العدالة الاجتماعيّة والسياسيّة